سيد محمد طنطاوي

344

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لاعتقادكم أن اللَّه - تعالى - لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم ، ولكنه يعلم ما تظهرونه منها . وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات اللَّه - تعالى - وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء ، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ . . . ) * يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم ، ويجوز أن يكون من قول اللَّه - تعالى - لهم ، أو الملائكة . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ، قرشيان وثقفى ، - أي شخص من قبيلة ثقيف - أو ثقفيان وقرشي ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم بطونهم . فقال أحدهم : أترون اللَّه - تعالى - يسمع ما نقول : فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا . فأنزل اللَّه - عز وجل - : * ( وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ) * . فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة ، حيث ظنوا أن اللَّه - تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم ، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن اللَّه - تعالى - معهم ، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم ، وأنه - سبحانه - يعلم السر ، وأخفى ورحم اللَّه من قال : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت . ولكن قل : على رقيب ولا تحسبن اللَّه يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليك ، يغيب ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال : * ( وذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ) * . و * ( ذلِكُمْ ) * اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق ، وهو مبتدأ ، وقوله * ( أَرْداكُمْ ) * خبره . أي : وذلكم الظن الذي ظننتموه بربكم ، وهو أنه - سبحانه - لا يعلم كثيرا مما تعملونه سرا ، هذا الظن * ( أَرْداكُمْ ) * أي : أهلككم ، يقال ردى فلان - كصدى - إذا هلك * ( فَأَصْبَحْتُمْ ) * أيها الكافرون من الخاسرين لكل شيء في دنياكم . * ( فَإِنْ يَصْبِرُوا ) * عن العذاب * ( فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) * أي : فالنار هي المكان المعد لثوائهم فيه ، ولبقائهم به بقاء أبديا . يقال : ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة . * ( وإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ) * أي : وإن يطلبوا الرضا عنهم ، فما هم من المرضى عنهم ، وإنما هم من المغضوب عليهم ، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم